من Kua Kia Soong
لقد أُشيد بالصعود المذهل لماليزيا بوصفها مركزاً إقليمياً لمراكز البيانات باعتباره دليلاً على أن البلاد تتحول إلى لاعب رئيسي في الاقتصاد الرقمي.
يُعلن الوزراء بفخر عن مليارات الرينغيت من الاستثمارات القادمة من عمالقة التكنولوجيا العالميين، وتتنافس حكومات الولايات لاستقطاب مشاريع جديدة، ويحتفي المستشارون بصعود جوهور لتصبح عاصمة مراكز البيانات في جنوب شرق آسيا.
غير أنه في خضم هذا الحماس، يُهمَل سؤال جوهري واحد: هل ينبغي لماليزيا أن تواصل الموافقة على مراكز بيانات جديدة في حين لا يزال كثير من الماليزيين يعانون من مخاوف تتعلق بأمن المياه وموثوقية الكهرباء وارتفاع تكاليف المرافق؟
الجواب ينبغي أن يكون واضحاً.
لكن قبل المطالبة بوقف مؤقت، من المهم استيعاب حجم طفرة مراكز البيانات في ماليزيا والمخاوف المتنامية بشأن أمن الكهرباء والمياه.
أحدث الإحصاءات حول مراكز البيانات
برزت ماليزيا بوصفها أسرع مراكز بيانات في جنوب شرق آسيا نمواً، مدفوعةً في معظمها بالذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية ونقل المنشآت من سنغافورة، حيث اضطر صانعو القرار إلى إبطاء التوسع بسبب القيود المفروضة على الأراضي والمياه والطاقة.
بين عامَي 2021 ويونيو 2025، وافقت الحكومة الاتحادية على 143 مشروع مركز بيانات بإجمالي استثمارات بلغت 144.4 مليار رينغيت. وبحلول مطلع عام 2026، كان لماليزيا وفق التقارير 34 مركز بيانات تشغيلياً و33 آخرون قيد التطوير.
تستضيف جوهور وسيلانغور ونيغيري سيمبيلان مجتمعةً نحو 101 مركز بيانات، إذ تستأثر جوهور بنحو 72 منشأة، مما يجعلها المركز الرئيسي لمراكز البيانات في البلاد. وكانت جوهور وحدها قد حصلت على موافقة 51 مشروعاً بنهاية عام 2025، كان 17 منها تشغيلياً و11 قيد الإنشاء.
تستهلك مراكز البيانات الحديثة فائقة الحجم كميات هائلة من الكهرباء والمياه، ومن المتوقع أن تنمو الطاقة التشغيلية لمراكز البيانات في ماليزيا من نحو 1,025 ميغاواط (MW) في نهاية عام 2025 إلى أكثر من 2,000 ميغاواط بنهاية عام 2026، مع 3,500 ميغاواط إضافية في طور الإعداد.
بحلول نهاية عام 2024، كانت 38 مشروعاً قد حصلت على اتفاقيات إمداد بالكهرباء بإجمالي طلب أقصى بلغ 5.9 غيغاواط (GW)، أي ما يعادل نحو 43% من الطاقة التعاقدية لـ TNB.
في الوقت ذاته، تشهد ماليزيا طلباً قياسياً على الكهرباء، إذ ارتفع بنسبة 11.5% على أساس سنوي، مدفوعاً جزئياً بالحرارة الشديدة وتوسع مراكز البيانات.
وتيرة التوسع غير مسبوقة. وعملياً، تخاطر ماليزيا بأن تصبح الخزان الموردي للموارد اللازمة للاقتصاد الرقمي في المنطقة.
أمن الكهرباء يجب أن يكون الأولوية
لتلبية الطلب المتنامي على الكهرباء، زادت ماليزيا اعتمادها على توليد الغاز الطبيعي، مع تحذيرات من استيراد الغاز الطبيعي المسال مستقبلاً لدعم قطاع الطاقة المتنامي.
السؤال الجوهري ليس ما إذا كانت ماليزيا ستتمكن في نهاية المطاف من توليد مزيد من الكهرباء، بل ما إذا كان ينبغي للأسر الماليزية والصناعات المحلية أن تتنافس مع مراكز البيانات المملوكة لأجانب على إمدادات الطاقة.
لا ينبغي لأي حكومة أن توافق على مشاريع قد تُعرّض الأمن الطاقوي المحلي للخطر. وقبل منح أي ترخيص جديد لمركز بيانات، ينبغي على الحكومة أن تُثبت علناً:
بدون مثل هذه الضمانات، يكون المواطنون في حقيقة الأمر يدعمون البنية التحتية الرقمية الخاصة.
أمن المياه يُمثّل مصدر قلق أكبر
تتطلب مراكز البيانات كميات ضخمة من المياه لتبريد الخوادم العاملة على مدار الساعة. وتعاني ماليزيا بالفعل من نقص دوري في المياه وحوادث تلوث وانقطاعات في الإمداد. وتواجه عدة ولايات ضغوطاً متزايدة جراء تغير المناخ والجفاف والطلبات الصناعية المتنافسة.
وتفيد التقارير بأن سلطات جوهور ذاتها شددت إجراءات الموافقة بسبب المخاوف المتعلقة بتوافر المياه والكهرباء. وتشير تقارير الصناعة إلى أن ما يصل إلى 30% من الطلبات رُفضت بسبب القيود على الموارد.
ينبغي أن يكون هذا تحذيراً لبقية البلاد.
لا ينبغي لأي مواطن ماليزي أن يواجه تقنين المياه في حين تواصل مراكز البيانات استهلاك ملايين اللترات يومياً. يجب أن يكون الحق في المياه مقدَّماً على متطلبات تبريد الشركات التكنولوجية متعددة الجنسيات.
الاستفادة من التجارب الدولية
ماليزيا ليست وحدها في مواجهة هذه المعضلة. هذا الشهر، أطلق رؤساء بلديات من مدن كبرى حول العالم مبادرة منسقة لمعالجة العبء المتزايد لمراكز البيانات على شبكات الكهرباء وموارد المياه.
حذّر قادة المدن من أن الاستثمار يتسارع بوتيرة تعجز التنظيمات عن مواكبتها. وبدأت حكومات عديدة تتساءل عما إذا كانت الفوائد الاقتصادية تبرر التكاليف البيئية والبنية التحتية. وعلى ماليزيا أن تطرح الأسئلة ذاتها:
تستحق هذه الأسئلة إجابات شفافة قبل منح مزيد من الموافقات. فالوقف المؤقت ليس سياسة معادية للاستثمار. إنه توقف حكيم لضمان بقاء التنمية مستدامة.
ينبغي للحكومة الاتحادية وحكومات الولايات أن تعلّقا معاً الموافقة على مراكز بيانات جديدة حتى تتحقق الشروط التالية:
تقديم الماليزيين أولاً
ينبغي لماليزيا أن تتبنى التنمية الرقمية، لكن ليس على حساب شعبها. يجب أن يخدم النمو الاقتصادي المجتمع، لا العكس. حين تشحّ الكهرباء والمياه، تكون المسؤولية الأولى للحكومة تجاه المواطنين لا المستثمرين الأجانب.
حتى تتمكن الحكومة الاتحادية وحكومات الولايات من ضمان إمدادات آمنة وميسورة ومستدامة من الطاقة والمياه لكل أسرة ماليزية، ينبغي أن يكون هناك وقف مؤقت على مستوى البلاد للموافقة على مراكز بيانات جديدة.
يمكن للاقتصاد الرقمي أن ينتظر. أما الاحتياجات الأساسية للماليزيين فلا يمكنها ذلك.
Kua Kia Soong نائب سابق ومدير سابق لـ Suaram.
الآراء الواردة هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة آراء FMT.


